لماذا الجمهور يدافع عن من يظلمهم ويحتقرهم؟

الظاهرة التي تبدو مستحيلة لكنها منتشرة في كل مكان.
يحدث في كل عصر ومجتمع أن يقف الجمهور بقوة للدفاع عن شخص أو نظام يسيء معاملتهم يومياً يحتقرهم علناً يسرق منهم يذلهم ويجعلهم يعيشون في خوف دائم. بدلاً من الثورة أو الرفض، يجد هؤلاء الناس أنفسهم يبررون الإساءة، يهاجمون من ينتقد الظالم، ويصبحون متحمسين أكثر في الدفاع عنه كلما زاد الظلم. هذه ليست حالة فردية نادرة،
بل ظاهرة جماعية تتكرر في السياسة الدين، الشركات العلاقات السامة وحتى في بعض الثقافات الشعبية السؤال الأساسي! لماذا يدافع الإنسان عن من يؤذيه؟ الإجابة تكمن في آليات نفسية عميقة جداً، بعضها غريزي وبعضها مكتسب من خلال التكييف الاجتماعي والتلاعب المنهجي. لنأخذ بعضاً منها.

١ الخوف من فقدان الهوية الجماعية

عندما ينتمي الإنسان إلى جماعة قوية أو زعيم كاريزمي، يصبح جزء من هويته مرتبط بهذه الجماعة. إذا انهار الزعيم أو الرمز، يشعر الفرد أنه هو نفسه ينهار. لذلك يفضل الدفاع عن الظالم حتى لو كان يعرف أنه مخطئ، لأن الاعتراف بالخطأ يعني الاعتراف بأن جزء كبير من هويته كان وهم. هذا الدفاع يصبح دفاع عن الذات أكثر من ان يصبح دفاعاً عن الظالم. الجمهور يقول في قرارة نفسه إذا سقط هو، أسقط أنا معه، فيختار التمسك بالوهم بدلاً من مواجهة الفراغ.

٢ آلية الترابط الصدمي والتبعية العاطفية

في العلاقات السامة أو الأنظمة القمعية، يخلق الظالم دورة متكررة من الإيذاء الشديد ثم لحظات رحمة نادرة. الضحية (أو الجمهور) تتعلق بهذه اللحظات القليلة من اللطف أكثر مما تتألم من الإيذاء المستمر. هذا الترابط الصدمي يجعل الشخص يرى الظالم كـمنقذ في بعض الأحيان، ويبرر له كل شيء.
كلما زاد الإيذاء، زاد التمسك بالظالم لأن الخروج من العلاقة يعني مواجهة الفراغ العاطفي والخوف من العودة إلى حالة أسوأ. هذه الديناميكية نفسها تنتقل إلى مستوى الجماعات: الشعب يدافع عن الديكتاتور لأنه أبوه في بعض الأحيان، ويخاف أن يفقده.

٣ غسيل الدماغ والسيطرة على السرد

الظالم الناجح لا يكتفي بالقوة الجسدية، بل يسيطر على السرد الذي يرويه الجمهور لنفسه. يتم ذلك من خلال تكرار رسائل معينة مثل أنا الوحيد الذي يحميكم، الآخرون أعداؤكم، بدوني ستسقطون في الفوضى. مع الوقت يصبح هذا السرد جزء من هوية الجمهور.
وأي انتقاد للظالم يُعتبر هجوماً على الهوية الجماعية نفسها، فيهاجم الجمهور المنتقد بدلاً من الظالم. وسائل الإعلام المسيطر عليها، الدعاية المستمرة، والتخويف من العدو الخارجي تعزز هذا السرد حتى يصبح مقدس. حمل ملف (دليل ريادة الأعمال) يحتوي على كورس قيم

٤ الإسقاط النفسي والحاجة إلى العدو

عندما يشعر الناس بالعجز أو الذل، يميلون إلى إسقاط مشاعرهم السلبية على الآخرين. الظالم يقدم لهم عدو خارجي مثل (الغرب، الليبراليين، اليهود، الشيوعيين، أياً كان) فيحملهم مسؤولية كل معاناتهم. بهذا يشعر الجمهور بالراحة النفسية على ان المشكلة ليست فينا، بل فيهم. وهنا الدفاع عن الظالم يصبح دفاعاً عن هذه الراحة النفسية، لأن مواجهة الحقيقة تعني مواجهة مسؤوليتهم الشخصية عن وضعهم.

٥ الخوف من الفوضى والعودة إلى الفراغ

كثير من الشعوب والجماعات تعاني من تاريخ طويل من عدم الاستقرار. الظالم يقدم النظام مقابل الذل، تحدثت عن نظام العبودية في هذه المقالة سابقاً. فيقبل الجمهور الصفقة لأن الخوف من الفوضى أقوى من كره الظلم. بدونه سيعم الفساد، بدونه ستعود الحروب، بدونه سنفقد كل شيء. هذا الخوف يجعل الجمهور يدافع عن الظالم حتى لو كان يسرق منهم يومياً، لأن البديل في مخيلتهم أسوأ بكثير.

٦ الانتماء والشعور بالقوة الزائفة

الانتماء إلى جماعة قوية يعطي الفرد شعور بالقوة حتى لو كان ضعيف في الواقع. عندما يدافع الشخص عن الظالم، يشعر أنه جزء من المنتصرين، جزء من القوة. هذا الشعور الزائف بالقوة يصبح إدمان، فيستمر الدفاع حتى لو كان الظالم يذله شخصياً. الجمهور يقول نحن الأقوياء لأننا معه، رغم أنهم في الحقيقة هم الضحايا الأولى.

الخاتمة

الدفاع عن من يظلمك ليس ضعف أخلاقي دائماً، بل نتيجة آليات نفسية واجتماعية معقدة جداً. لكن الوعي بهذه الآليات هو الخطوة الأولى للخروج منها. عندما يبدأ الفرد أو الجماعة في فصل هويتهم الشخصية عن الرمز أو الزعيم، وعندما يواجهون الخوف من الفراغ بدلاً من الهروب منه، تبدأ الدائرة في الانكسار.
الجمهور الذي يدافع عن ظالمه ليس أحمق، بل هو ضحية نظام نفسي مصمم بعناية ليبقيه أسير. التحرر يبدأ عندما يقول الإنسان أنا أستحق أفضل من هذا، ويختار الكرامة على الوهم. لتتعلم كيف يتغم غسل العقول وبرمجة العقل شاهد هذا الفيديو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *