عصر التفاهة اصبح اليوم الربح من الإنترنت عبر التفاهة هل نحن نعيش في العصر الذهبي للمغبونين
تخيل أنك استيقظت في الصباح شربت قهوتك وذهبت إلى عملك الذي تستهلك فيه خلايا دماغك لثماني ساعات لتعود في نهاية الشهر براتب بالكاد يغطي فواتيرك الأساسية
في الوقت نفسه هناك فتاة في مكان ما من هذا العالم تجلس أمام كاميرا هاتفها لا تقدم اختراعاً ينقذ البشرية ولا تحل معادلة فيزيائية معقدة بل كل ما تفعله هو التفاهة بمعناها الحرفي والنتيجة كشف حساب بنكي يسجل دخول 2100000 دولار شهرياً
نعم الرقم حقيقي والصدمة مشروعة نحن لا نتحدث عن خيال علمي بل عن اقتصاد الانتباه في أبشع صوره فكيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها اللاشيء هو السلعة الأغلى ثمنًا وكيف تحولت التفاهة من صفة مذمومة إلى بيزنس يدر الملايين في عصر يُفترض أنه عصر العلم والتكنولوجيا
١ سيكولوجية النقر
السر في نجاح هذه الشخصية ليس في جمالها أو في ذكائها بل في قدرتها الفائقة على استفزاز غريزة الفضول لدى ملايين البشر الخوارزميات في منصات التواصل الاجتماعي لا تميز بين الإعجاب والاستياء هي مبرمجة فقط لحساب وقت المشاهدة ومعدل التفاعل
عندما نرى عنواناً صادماً يلمح إلى أرقام خيالية أو سلوكيات خارجة عن المألوف تتحرك في داخلنا رغبة عارمة بل وقهرية في التحقق كيف يعقل هذا وكيف تبرر فعلتها
بمجرد أن تنقر على الرابط تكون قد أتممت الصفقة بنجاح لصالحها لقد منحتها الانتباه وهو العملة الوحيدة التي تحتاجها في هذا العصر الرقمي هذا الانتباه يُترجم فوراً إلى بيانات تتدفق لشركات الإعلانات
التي تضخ بدورها مبالغ طائلة لتظهر بجانب المحتوى الأكثر مشاهدة بغض النظر عن جودته أو قيمته الأخلاقية نحن هنا أمام نظام مكافأة يعتمد على الصدمة أكثر من الفائدة
٢ عصر التفاهة
تعتمد هذه النماذج على استراتيجية تسمى التسويق بالصدمة هؤلاء الصناع يدركون تماماً أن المحتوى التعليمي الثقافي أو القيمي يحتاج إلى مجهود ذهني وتركيز من القارئ وهو أمر أصبح نادراً في عصر السرعة بينما المحتوى التافه المستفز أو الذي يكسر المحرمات الاجتماعية يخاطب الغرائز البدائية والمشاعر العاطفية فوراً وبدون استئذان
إن كسب 21 مليون دولار شهرياً يعني التفوق ماديًا بمراحل ضخمة على رؤساء شركات كبرى وأطباء جراحين أمضوا عقوداً من حياتهم في البحث والتدريب والتعامل مع أرواح البشر هذا التفاوت ليس مجرد صدفة عشوائية بل هو انعكاس صارخ لخلل عميق في ميزان القيم العالمي
لقد أصبح الجمهور هو القاضي والممول في آن واحد وهو يقرر قيمة الشخص بناءً على كمية الأدرينالين أو الجدل الذي يثيره في النفوس وليس بناءً على الأثر الإيجابي الذي يتركه في المجتمع
٣ جيل الياقات المحطمة
هنا نصل إلى النقطة الجوهرية التي تثير حنق وغضب الشباب والآباء على حد سواء لماذا أتعب نفسي في الدراسة لسنوات طوال إذا كانت التفاهة تحقق كل هذا الثراء في شهور إن النموذج الذي تقدمه هذه الشخصية وأمثالها يرسل رسالة مبطنة لكنها شديدة الوضوح مفادها أن النظام التقليدي فاشل وأن العلم لم يعد طريقاً للثراء
إنها تبيع وهم الثراء السريع والسهل للجيل الجديد لكن الحقيقة المرة التي لا تظهر في الصور اللامعة هي أن خلف كل تافه مشهور هناك جيوش من المحبطين الذين حاولوا السير في نفس الطريق وفشلوا بل وخسروا كرامتهم ومستقبلهم المهني في سبيل سراب
هي تمثل الاستثناء الصادم الذي صُمم ليكون واجهة بينما القاعدة تظل غارقة في الفقر والضياع إنها تجارة بالأحلام حيث يتم تحويل الإحباط الشبابي إلى وقود لمحركات البحث وزيادة ثروات المنصات العالمية
٤ انهيار الذوق العام
عندما يصبح هذا النوع من المحتوى هو الترند الدائم والمسيطر فإننا لا نخسر المال أو الوقت فقط بل نخسر شيئاً أعمق بكثير الذوق العام والقدرة على التمييز بين الغث والسمين إن صناعة ملايين الدولارات من خلال محتوى يضرب بجذور القيم والتقاليد عرض الحائط هو بمثابة إعلان حرب صامت على كل ما هو رصين ومحترم
الخطورة الحقيقية تكمن في تطبيع السخافة عندما يرى الطفل أو المراهق أن الطريق الأقصر لامتلاك الطائرات الخاصة والسيارات الفارهة هو عبر تقديم محتوى فارغ أو فاضح فإنه يبدأ لا إرادياً في احتقار العلم العمل الجاد والمبادئ. نحن أمام عملية إعادة صياغة للعقل البشري،
حيث يصبح الاستهلاك والظهور هما الغاية الوحيدة، وتصبح الوسيلة مهما كانت دنيئة مبررة تماماً بالنتائج المادية. (دليل ريادة الأعمال) سوف يجعلك تحقق أهدافك دون ان تهين نفسك مثلها.
٥ هل اللوم يقع عليها أم على المشاهد؟
قد يبدو من السهل إلقاء اللوم بالكامل على تلك الشخصية التي اختارت هذا الطريق لكن الحقيقة التي نتهرب منها دائماً هي أننا نحن الممولون الحقيقيون الخوارزمية هي مجرد مرآة لرغبات البشر هي لا تقترح المحتوى التافه إلا لأن هناك طلباً هائلاً عليه.
كل تعليق غاضب تكتبه أسفل فيديو تافه لتعبر عن اشمئزازك وكل مشاركة لقصة مستفزة لصديقك لكي تسخرا معاً منها هي في لغة الأرقام دولار إضافي في جيب تلك الشخصية نحن نغذي هذا الوحش الرقمي بفضولنا وبغضبنا ثم نشتكي بمرارة من كبر حجمه وتوغله في حياتنا وتأثيره على أطفالنا السخرية من التفاهة هي في الحقيقة نوع من أنواع الدعاية المجانية لها
٦ فخ الأرقام وتزييف الواقع
ما لا نراه خلف رقم الـ 21 مليون دولار هو الماكينة الإعلامية التي تدير هذه الشخصيات غالباً ما يكون هناك مستشارون قانونيون وخبراء في علم النفس ومديرو محتوى يعملون ليل نهار لضمان استمرار حالة الجدل إنهم يدرسون متى يجب أن تصدر فضيحة جديدة
ومتى يجب أن تظهر في لقاء اعتراف وكل ذلك ضمن سيناريو محكم لزيادة المشاهدات إنها ليست تفاهة عفوية بل هي تفاهة مؤسسية منظمة تهدف لامتصاص أموال المعلنين وعقول المشاهدين
٧ الخلاصة كيف نستعيد بوصلتنا؟
في نهاية المطاف تظل قصص النجاح المبنية على التفاهة مجرد فقاعات هواء مهما بدت براقة وعظيمة في أعين البعض المال الذي يأتي عبر استرخاص النفس وبيع الخصوصية وتحطيم القيم هو مال منزوع القيمة إنسانياً ولا يمكن أن يشتري لصاحبه احتراماً حقيقياً أو سلاماً داخلياً
الوعي الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن استهلاك هذا السم الرقمي يبدأ عندما ندرك أن كل ثانية نقضيها في متابعة هؤلاء هي ثانية نسرقها من تطوير ذواتنا وعقولنا إن النقر على الرابط هو في الحقيقة تصويت منك لاستمرار هذا الانحدار الأخلاقي والمعرفي
إذا أردنا مجتمعاً يحترم العلم والقيمة فعلينا أولاً أن نتوقف عن تمويل السخافة بانتباهنا لأن السوق لا يعرض إلا ما يطلبه المستهلك ونحن اليوم مطالبون بتغيير ذائقتنا قبل أن تغرقنا أمواج التفاهة بالكامل
الثراء الذي لا يقوم على أساس من العلم والجهد الحقيقي هو ثراء هش سيزول بمجرد ظهور تافه جديد أكثر صدمة وأكثر قدرة على جذب الخوارزميات. البقاء للأصلح دائماً حتى في عالم الأرقام الصماء ولذلك قمت بتسجيل فيديو تفصيلي حول بناء الثروة بطريقة شريفة ومحترمة ها هي،